...

المقابر الثمينة


بكر مهدي الفرا

جمال عبد الناصر (رجل لن ينساه التاريخ)

التفاصيل

إن من عجب العجاب أن نكون من أمة محمد صلى الله عليه وسلم وهو الذي أرسله الله رحمة للعالمين ونتصرف هذه التصرفات مع الأحياء والأموات .

فإن ما جعلني أكتب هذه المقالة وأختار هذا الموضوع بالذات هي الردود التي تلقيتها على مقال سابق وكان يحمل عنوان – هل نحن مسلمون – ولم أكن أتوقع على الإطلاق أن يصلني هذا الكم الهائل من الرسائل كردود ونقد وكطبيعة الحياة البشرية فقد كانت الرسائل منها المؤيد ومنها المعارض ولكن الذي أثار حفيظة نفسي الغيورة على ديني وعقيدتي تلك الردود التي وصلتني – عفواً وبكل تواضع – من أمريكا أي الولايات المتحدة الأمريكية .

ولما كان الكمبيوتر والإنترنت قد حول العالم إلى قرية صغيرة كما يقولون ولما سيطرت الصحافة الإلكترونية على الصحافة الورقية فمن الطبيعي أن يأتي الرد بهذه السرعة .

قلت ... بل أقول ... إن إخوتنا الذين راسلوني معترضين على ما قلت في المقال يظنون أني أتهجم على من ينتمون إلى الإسلام وأتهمهم بالتقصير وهذا مما دفعني اليوم للرد عليهم .. ولكنني وبكل هدوء وبدون تشنج أو عصبية .

أذكر لهم خبراً ورد في الإذاعة العبرية في بداية شهر مارس – آذار- مفاده أنه وخلال أسبوع واحد تم الاعتداء على ثلاث مقابر في ثلاث ولايات أمريكية وتدنيس قبور تلك المقابر ومن الطبيعي أن تكون تلك المقابر يهودية وإلا لما اهتمت اسرائيل بهذا الأمر كل هذا الاهتمام وكيف كان هذا التدنيس لقد كتبت بعض الشعارات ورسم الصليب المعقوف على بعض القبور فكيف لو حطمت هذه القبور ودوست أو سوت بالأرض وقد تطوع كما قالت الاذاعة الاسرائيلية –الرئيس ترامب بوصف ما حدث باللاسامية وللعلم فقد كانت هذه المقابر في فلادلفيا بولاية سلفانيا وفي مدينة سانت لويس بولاية فيزوري وفي مدينة بيويورك .

إلى هنا وينتهي مضمون الخبر بمحاولة الاختصار ولكن ما يهمنا ويجعلنا نحترق حسرةً وألماً أن المسؤولين في الولايات الثلاث طالبوا الأهالي للتبرع بمبلغ 20 ألفاً من الدولارات لترميم وتصليح ما لحق بالقبور من تدنيس وتخريب وتحطيم كما قالت اسرائيل في اذاعتها العربية وليت الأمر وقف عند هذا الحد !! بل تابعت اسرائيل القول بأن ما تم جمعه في خلال أيام قلائل قد زاد عن 60 ألفاً  ومعظمها من مسلمي تلك الولايات والولايات الأخرى وأقول المسلمين ولا أقول يهود أو مسيحيون هذا ما قالته الإذاعة الاسرائيلية وذلك لإثبات حسن النوايا لترامب الذي تهجم قبل انتخابه وبعد انتخابه على الاسلام وحظر دخول المسلمين من سبع دول اسلامية في الشرق الأوسط حظر دخولهم الى الاراضي الأمريكية إرضاءً لإسرائيل ومن يحالفها من دول الغرب عامة والولايات المتحدة بشكل خاص وقالت الإذاعة الاسرائيلية في ذلك الوقت أن التبرع لا زال مستمراً ويعلم الله كم بلغ بعد ال 60 ألف دولار ..!!

إلى هنا وينتهي الخبر يا من فركتم أنوفكم على ما ورد في المقال حيث أنني لم أوجه اتهاما لأحد ولم العن أو أسب أحداً في مقالي ولكنني أوردت بعض الصفات التي وصى بها وعليها سيد الأنام رسول الله صلى الله عليه وسلم والحديث الذي لم أذكره ناسياً "المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده "

وقال "إن الله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه " وقلت من كانت تنطبق عليه صفات الاسلام فهو مسلم وندعو الله أن يقوي همته وعزيمته وإسلامه وإلا فليتق الله من لم تنطبق عليه بعض تلك الصفات حيث يقول الله عز وجل "اتقوا الله ما استطعتم "

هذا من جهة أما الجهة الثانية التي سأناقشها في مقالي هذا فهي مسألة المقار ... نعم .. فإذا كانت بعض القبور اليهودية قد دنست لأنه كتب عليها بعض الشعارات ورسم على بعضها صلبان معقوفه وتبرع مسلمو أمريكا بهذه المبالغ لإصلاح ما حصل إثباتاً لحسن النوايا وكأن المسلمون هناك هم الذين فعلوا هذا التخريب .

ويحضرني في هذا المقام ما قاله الشاعر العربي أبو العلاء المعري :

صاح هذي قبورنا تملأ        الرُحبَ فأين القبور من عهد عاد

خفف الوطء ما أظن أديم        الأرض إلا من هذه الأجساد

وقبيح بنا وإن قدُم         العهد هوان الآباء والأجداد

سر إن اسطعت في الهواء رويداً        لااختيالاً على رفات العباد

رُب لحدٍ قد صار لحداً مراراً         ضاحكٍ من تزاحم الأضداد

وهنا أجد نفسي مجبراً على السؤال والتساؤل .. ماذا تفعل اسرائيل مع موتانا فلدى اسرائيل مائة وست وأربعين جثة من شهداء انتفاضة القدس في العام الماضي وترفض تسليمهم إلا بشروط وهناك مئات الجثث إن لك يكن عشرات المئات في مقابر يطلق عليها مقابر الأرقام منذ النكسة من الضفة والقطاع وربما سيناء وهضبة الجولان كذلك

ومن ناحية ثانية نجد أن اسرائيل تطالب برفات بعض اليهود من الدول العربية منذ الحرب العالمية الثانية وحتى اليوم وقد نقلت رفات ثلاث وثلاثين رفاتاً من المغرب قبل أعوام قليلة وتطالب في هذه الأيام برفات بعض اليهود    من تونس وكذلك مصر والعراق وفي الزيارة الأخيرة للنتن ياهو لروسا طالب النتن ياهو من بوتن أن يتدخل كي يسلم بشار الأسد رفات الجاسوس الاسرائيلي –إيلي كوهين (خالد ثابت ) الذي أعدم عام 1966م ولكن بشار أخبر بوتين بأنه لا يعرف مكان دفنه حيث نقل أربع مرات وأن المسؤولين آنذاك إما أموات أموات وإما أحياء أموات في السجون حيث أن السجين السياسي في سوريا لا يخرج من السجن لا حياً ولا ميتاً .

أما من يموت منا في أي دولة خارج مسقط رأسه سواء كان شخصاً عادياً أو شخصية اعتبارية كزعيم أو وزير أو مسؤول كأبي جهاد وأبي إياد وأبي الهول أو سعد صايل أو الحكيم جورج حبش أو باقي الشهداء الذين اغتالتهم إسرائيل في شتى بقاع الأرض فلم تسمح إسرائيل بدفنهم في بلادهم حتى جثة أبو عمار دفنت في رام الله رقم وصيته بأن يدفن في القدس ووصية الميت أمانة !!!

هذا بالنسبة لموتانا وموتاهم أما الآن فيأتي دور المقابر ... !!! سبحان الله .. !! كم هي مقابرهم غالية وثمينة فأقل كتابة على القبر تعتبر تدنيس لذلك القبر ... وفي شهر فبراير – شباط- الماضي انطلقت مبادرة من خان يونس إلى غزة احتجاجا على نية ترامب بنقل سفارة أمريكا إلى مدينة القدس ولما تأجل ذلك النقل حول هدف هذه المبادرة إلى الاحتجاج على الحصار وفي الطريق إلى غزة وفي منطقة الزوايدة تحديداً – شمال دير البلح – بينما كان ولدي أحد المشاركين في هذه المبادرة لفت انتباههم منتزها في منطقة الزوايدة فأرادوا أن يستريحوا فيه قليلا ويلتقطوا الأنفاس لكنهم فوجئوا بأن هذا ليس منتزهاً ولكنه مقبرة بريطانية منذ الحرب العالمية الأولى ووجدوا مكتوباً على حجر الرخام ببوابتها "هذه الأرض وهبها الشعب الفلسطيني لضحايا الحروب بين عامي 1914-1918 وهذا يأتي باعتبارين الأول أن فلسطين للعرب الفلسطينيين وليست لبلفور كي يهبها لليهود ليقيموا عليها وطناً قومياً لهم والثاني أن الفلسطينيين يحرصون على ما وهبوا في كرامة لهم والأهم من هذا أن هذه المقبرة لها حارس يتقاضى راتبه من بريطانيا ومن يبلغ سن التقاعد يصرف له راتباً تقاعدياً ويعين أحد أبنائه من بعده منذ انتهاء الانتداب البريطاني حتى اليوم  هكذا صرح الحارس لابني ورفيقه يومذاك .

تعالوا يا مسلمي أمريكا والعرب وانظروا إلى مقابرنا في غزة ستجدون أنها مرتعاً لرعي الأغنام والبهائم وملعبا للصبية والأطفال ولا يسأل عنها أحد لا البلدية ولا الحكومات المتعاقبة سواء حكومات الاحتلال أو الحكومات المحلية التي قامت بعد أوسلو أو التي كانت قبل نكسة 1967 وفي ثمانينات القرن الماضي قام بعض من أهل الكتاب والسنة – مشكورين - !!!!! بهدم القبور العالية وشواهدها الرخامية بحجة أنها مخالفة للسنة ولم يتحرك أحد رغم أن بعض هذه القبور تزيد عن مائة عام من إقامتها وبعضها جرفت عندما قامت حكومة قطر بمشروع توسيع طريق صلاح الدين الواصل بين رفح وبيت حانون ... فماذا نقول ؟؟ أهكذا مقابرنا رخيصة ومقابر اليهود غالية وثمينة ؟؟ أم أننا لا نحترم حتى أمواتنا في قبورهم ... ؟؟ إتقوا الله في موتاكم .. لكن إذا كان المسؤولون لا يتقون الله في الأحياء فهل سنتقي الله في الأموات؟؟ والله ثم والله لتسألن عما كنتم ولا زلتم تعملون .

اللهم إني قد بلغت اللهم فأشهد