...

عميل و شهيد و حذائي شخصية اعتبارية


مرام صلاح مراغه

مقال سياسي

التفاصيل

عميل و شهيد و حذائي شخصية اعتبارية

بدأت بعمارة ..ثم بالمنتصف..

كانت الساعة الثالثة فجرا، وإذ بنا نسمع أصوات صراخ و بكاء ،كانت أمي أول من استيقظت لتخرج إلى الخارج و ترى ما لم يكن بالحسبان ،أم مع أطفالها الثلاثة يطردون من بيتهم في مثل هذا الوقت ،طبعا التوقيت غير مهم  المهم هو من قام بطردهم ،وإذا بأمي تنظر لترى جنودا مدججون بالسلاح يحوطون الحارة بأكملها (حارة مراغة) و كأنهم أعلنوها حالة حرب أو أننا على أبواب انتفاضة ثالثة .

في هذا الوقت لم نكن نعرف الكثير عن هذه المواقف ،لأن سلوان كما تعرف بلد الشهداء و الأسرى و الفدائيين ،أيعقل أن تكون منجبة الثوار هي نفسها منجبة العملاء ،و لماذا نبعد كثيرا ألا يوجد مثل شائع يقول بأن "البطن بستان ينجب أشكال و ألوان".

نعم الأم سلوان أنجبت ذلك الشخص الذي باع وطنه من أجل المال باع أبناءه و باع أهله ،لماذا كل هذا الجشع ،لماذا لم يفكر بأبناءه ولو للحظة؟ لماذا لم يفكر بزوجته و بأهله و موقفهم أمام أبناء البلدة ،أكان من المفترض أن يكون بيع الأراضي للمحتل محرما حتى نبتعد عنه و لكن لماذا فمن باع وطنه لن يهتم لدينه.

كانوا جالسين هناك على طرف الطريق لم يستقبلهم أحد ،تمنيت لو أنني كنت أكبر قليلا لأساعدهم و أهون عليهم ،لكن كيف سأهون عليهم و الجميع يمر من أمامهم يبصقون على والدهم و يحضرون أوراقا ليتبرأوا منه و فعلا هذا ما حدث في صباح اليوم التالي "ال مراغة يتبرأون من...."،الحل الأمثل برأيهم و برأيي أيضا فأرادوا أن يخلو مسؤوليتهم .اعتقدوا بأن ذلك سيخفف من عبئهم لكن القادم كان أعظم.

بعد خروج عائلة العميل و أبناءه من البلدة و قلوبهم مليئة بالحقد على الجميع الصغير قبل الكبير ،القريب قبل البعيد ،لم نعد نسمع عنهم أي خبر ،هم ذهبوا و نحن بقينا .

بدأت العائلات اليهودية تأتي إلى هذه العمارة المكونة من ثلاثة طوابق لا أعرف عدد الشقق لأنه عندما بنيت و ذهبنا لزيارة العائلة كنت صغيرة حينها ،ولكنني أتذكر أنها كبيرة لدرجة أن أبناءه الثلاثة كان لك واحد منهم شقة .

كل هذا الأثاث ! كل هذه المعدات! أين سيضعونها  سألت نفسي في تلك اللحظة ،ثم أصبح عددهم يزداد  يوما بعد يوم و أصبح هناك حراس يملؤون المنطقة المحيطة بمنزلنا ،نستيقظ على أصوات ضحكاتهم و أصوات الجنود الذين لا يحلو لهم الكلام إلا في ساعات الفجر أو بعد منتصف الليل ،الوضع أصبح لا يطاق تضييق و مشاجرات يومية لكن ما باليد حيلة أنخرج ونترك لهم بيوتنا و نوصلهم إلا ما يريدون ؟ لا و الله ما هكذا علمتنا سلوان ، أنفعل مثلما فعل الكثيرون و نبيع بيوتنا و تصبح سلواننا سلوانهم ؟أنركض وراء الأموال التي يقدمونها لنا و نسلمهم ما تبقى من الأرض؟أنترك أجمل بقاع الأرض و نرحل ؟أنعطيهم بطن الهوى و نرحل إلى تل أبيب ؟ لا والله فبطن الهوى أرحب لنا

كل هذه الأسئلة لم تخطر على بال من باعوا بيوتهم لأنهم لا يعرفون أن الأرض هي العرض و الشرف و أن من باعها لن يبقى له أي ذرة شرف . أهكذا علمتكم الأرض أن تأكلوا و تنكروا أهكذا تردون الجميل لمن ربتكم و أطعمتكم و تحملت طيشكم و هذيانكم ؟

 

علينا جميعا أن نحافظ على سلوان لكي لا نفقد كرامتنا و نخوتنا و عزتنا ... ما تبقى منا ومنها

 

لم أر هذه الفرحة من قبل في عيونهم ،ولم أشعر بأنهم يفتخرون بي لهذه الدرجة حتى نجاحي بالثانوية العامة لم يحقق هذا الصخب و هذه الضجة ،ألسنتهم لاتعرف إلا الحديث عني و كأنني اكتشفت اكتشافا خطيرا ،لم أتوقع أن كل هذا من أجل أول خطوة نحو مستقبلي.

ما زالت كلمات أمي لجاراتها ترن في أذني (بالله شفتو مقالة بنتي) ،وكلام أبي عندما أعجبه أسلوبي بالكتابة و حفزني أن أكمل ما بدأت به ،كل هذا الكلام من قبل الأقارب دفعني لأن أكتب مرة أخرى و لكن هذه المرة من أجلهم ،و لأرفع اسم عائلتي عاليا ،و لأعرف الجميع بأبطال ال مراغة و شهدائها فلم أجد خيرا من أن أكتب عن رمز النضال و قائد معركة الأمعاء الخاوية "اسحاق مراغة" الذي استشهد بأمعاء خاوية .

بعثت بالمقاالة لعدة جهات لكنني لم أجد ردا من أحد حتى صباح اليوم التالي عندما قرأت الاتي ( لنا شرف أن ننشر هذه المقالة على صفحتنا و شكرا لك لأنك عرفتينا أكثر عن الشهيد أبو جمال ) ،طبعا هنا ارتفعت معنوياتي و بدأت بحصد عدد اللايكات ،وبالطبع أمي كالعادة تنشر الخبر بكل مكان ،لم أرها سعيدة و فخورة بي مثل هذه المرة حتى أنها قالت لي أنها اقتنعت بفكرة إكمال دراستي بالخارج بعد أن قام أقربائي بنصحها بأن تدعني أكمل تعليمي بالخارج لأكسب خبرة أكثر .

كل هذه الأمور لم ترضيني بعد ،لم يرى مقالتي الكثير من الناس و الصفحات الأخرى لم اخذ منها الرد ،حتى تلك اللحظة التي تمت الموافقة من قبل شبكة القدس الإخبارية على نشرها .شعور بالراحة يتبعه توتر و خوف من ردة فعل القارئ ،أبو جمال شخصية اعتبارية و أنا أخشى من هذه الرموز الكبيرة ،و أخشى من كوني ابنة هذه العائلة و لم أقدم هذا الشهيد بالطريقة الصحيحة .

شعور بالفخر يعتريه الحزن و الأسى على هذا الفقيد ،لكن جانب الفخر يطغى أكثر . زوجة الشهيد و أبناءه و أحفاده و أقاربه و أقاربي سعيدون بأنني خلدت ذكرى الشهيد ،شهيد سلوان ،الذي عانى الكثير من الألم في سجون الاحتلال و خلال خوضه لمعركة الأمعاء الخاوية ،كل هذا الدعم دفعني لأن أكمل ما بدأت به ليس من أجلي بل من أجلهم و من أجل سلوان الأم التي مهما كتبنا عنها و عن أبنائها سيظل الكلام ناقصا أمام عظمتها.

 

على الحاجز

لطالما فكرت قليلا لماذا أعيش بعيدة عن أهلي مع أن بلدتي لا تبتعد إلا الكيلومترات عني ،ما الذي يدفعني للعيش في مكان لم آلف العيش فيه حتى ولو كان في نفس وطني .

أحيانا عندما أرجع إلى المنزل أقرر أن بالأسبوع المقبل سأحمل أمتعتي و أرجع إلى القدس ،لكن نظرة متعجرف لم يتحمم منذ خمسة أعوام توقفني مكاني ،تختلط الأفكار في ذهني هل أنا قادرة على أن أتحمل تلك النظرات ؟ هل أنا قادرة على أن أتحمل ذلك الأسلوب بالمعاملة .

أمر من خلاله يوما بالأسبوع ،لا أحرك ساكنا حتى شفتاي لا أحركهما لا أعرف إن كان خوفا أم حقدا أم غير ذلك ،يأتي دوري للدخول و إذا بالآلة الخرقاء تضيء جرس الإنذار و كأن حذائي الذي أرتديه إرهاببا يخافون منه ،أو أن إسوارتي الفضية التي ابتدأت بالصدأ ترعبهم ،طبعا نزعت إسوارتي و وضعت حذائي في المكان الذي ندخل فيه أمتعتنا لكي يمر فهو الان أصبح شيئا اعتباريا و مر هو و أنا لم أمر بعد لأن هويتي الزرقاء لم تسعفني لهذه المرة و الجندي الذي كان يجلس مستمتعا بالحديث مع رفيقته لم ينظر إليها بتاتا ،فقط أشار إلى بطرف إصبعه و أمرني بالذهاب .

خرجت و لم أعد أفكر بأن أترك بيتي في بيرزيت و لن أفكر حتى بهذا الخيار حتى ،كل ما أفكر به ماذا فعلنا لنستحق كل هذا الظلم ...