...

وَشوَشَات - (1) العدْل


بكر مهدي الفرا

جمال عبد الناصر (رجل لن ينساه التاريخ)

التفاصيل

وَشوَشَات
(1)

العدْل

عزيزي القارئ كلما حاولت الابتعاد عن الكتابة يشدني إليك قلمي خارجاً عن إرادتي وشوقاً لمخاطبتك ولو فوق السطور فهذا ما يستطيع عمله ذلك الأخرس الحاكي .. وعندما كنت أتوقف عن الكتابة أجد أن من واجبي التحدث إليك وإفشاء ما يجيش به صدري من معلومات وأسرار .. ثم أعود إلى نفسي وأقول .. ما الذي سأقوله يا نفس في هذه المرَّة  .. فلقد قلت الشيء الكثر .. ولكن ما من مجيب وتحدث عن أشياء كثيرة إلاّ أنني لم ألمس أي تجاوب على ما كتبت .. ولم أحقق شيئاً ملموساً أستطيع القول بأني جنيته .. فالقراء بالمئات إلاً أنهم يفتقرون ويفتقدون المقدرة على تحريك الوضع ولهذا قررت الحديث مع الضمائر علَّهم يشعرون بما يقاسيه الفقراء وأهل الحجة والعوز في قطاعنا خاصة وفي كل بلاد يحكم فيها من يسمون أنفسهم بزعماء الإسلام والمسلمون فرسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته " حتى وصل للخادم فهو مسؤول عن رعية سيدة فكيف بالسيد صاحب القوة والجاه والسلطان ؟؟! وأول منا أبدأ وشوشتي اليوم هي صيحة في أذن الحكام وأقول صيحة حتى يسمعها الشياطين الخرس " فالساكت عن الحق شيطان أخرس وهذا قول رسولنا الذي لا ينطق عن الهوى بعث كسرى رسولاً سرياً إلى المدينة المنورة ليتحرى أحوال المسلمين وهناك سأل عن ملكهم فقالوا : الملك هو لله .. فقال فمن زعيمكم قالوا كلنا نعمل في خدمة الإسلام والمسلمين فقال من يستطيع الانسان أن يجلس معه ليتعرف أحوالكم .. فقالوا إنه أمير المؤمنين ( يامن تدعون الاسلام وتتمسحون بالدين ) قالوا لصاحب كسرى : إنه عمر بن الخطاب , فسأل عنه فقالوا له إنه ذاك النائم في ظل الشجرة فذهب إليه ... وقد نقل حافظ ابراهيم شاعر النيل ما أدهش صاحب كسرى :
و راع صاحب كسرى أن رأى عمرا
بين الرعية عطلا و هو راعيها
وعهده بملوك الفرس أن لها
سورا من الجند و الأحراس يحميها
رآه مستغرقا في نومه فرأى
فيه الجلالة في أسمى معانيها
فوق الثرى تحت ظل الدوح مشتملا
 ببردة كاد طول العهد يبليها
فهان في عينه ما كان يكبره
من الأكاسر والدنيا بأيديها
و قال قولة حق أصبحت مثلا
و أصبح الجيل بعد الجيل يرويها
أمنت لما أقمت العدل بينهم
 فنمت نوم قرير العين هانيها
فهل أصبح زعماؤنا أكاسراً كملوك الفرس يحتاجون إلى سور من الجند والحراس تحميهم ؟؟ .. إن عدوهم ليس بطالبهم ولكن ظلمهم لشعوبهم وتسلطهم عليهم يجعلهم يخشون على أنفسهم من أنفسهم فلو أقاموا العدل وسعوا إلى تحقيقه لانتشرت الألفة والمحبة ولكنهم  بحكمهم الطاغوتي نشروا الفساد في البلاد وملأوا الصدور بالأحقاد حتى أصبح الجميع يخشى من الجميع فلا أمن ولا أمان في ظل حكام ظالمين .
ومن مظاهر العدل هذه القصة الحقيقية وأرجو أن يتسع صدرك أيها القارئ الحبيب لما أقوله لك فوالله ما قصدت من كلامي إلا السعي لنشر المحبة والألفة ورفع الضغينة التي ملأت النفوس من الظلم .
ولظلم ذوي القربى أشد مضاضةً
على النفس من وقع الحسام المهند
والقصة التي أنوي سردها  تقول :
حينما ولِّي أبو بكر الصديق (رضي الله عنه) الخلافة , خرج من داره صبيحة بيعته حاملاً على ظهره لفافة كبيرة من الثياب (وكان هو تاجر قماش) وفي الطريق لقيه عمر بن الخطاب (رضي الله عنه )
فسأله : إلى أين يا خليفة رسول الله ؟
قال : إلى السوق
قال عمر : وماذا تصنع في السوق وقد وليت أمر المسلمين ؟
قال أبو بكر : قمن أين أطعم أولادي ؟ إني إن أضعت عيالي فأنا للمسلمين أضيع !!!
فأشار إليه عمر أن يذهبا معاً إلى المسجد للنظر في فرض قوته وقوت عياله حتى يتفرغ لأمور الخلافة ومصالح البلاد .. وفي المسجد اجتمع ابو بكر وعمر بأبي عبيدة بن الجراح أمير بيت المال ونفر من الصحابة وعرض عليهم عمر رأيه ففرضوا لأبي بكر ما يكفيه وأهله بالمعروف .
لم يطلب أبو بكر حصاناً ليكبر به على أمة محمد صلى الله عليه وسلم ولم يطلب حراساً يصطفون له على جانبي الطريق كلما خرج هنا أو هناك .. ولم يطلب راتباً شهرياً يكفي لعشرات الأسر المعوزة , فرض له من غير طلب ما يكفيه ويكفي قوت عياله فكم من الآلاف في شعبنا ممن لا يعملون ولا يبذلون مجهوداً من أجل خدمة هذا الشعب ممن يتقاضون رواتباً لم يحلم بها رؤساء جمهوريات في بلاد كثيرة من دول العالم الثالث والمتحضر ..؟؟ أليس من الواجب النظر في ذلك ؟؟  والأخطر من ذلك كم من عشرات الموظفين الذين يعملون من أجل رفعة الشعب والعمل على خدمته ولا يتقاضون نصف رواتبهم المسجلة لهم في وزارة المالية أليس هذا هو الظلم بعينه ؟؟ فأين الضمير ؟ أرجو ألا يكون في إجازة أو يكون قد حُكم عليه بالإعدام .. فالحكام وأصحاب الجاه والسلطة كثيرون ..  سامحونا أو حاسبونا إن قلنا غير الحقيقة . !!!
بقلم بكر مهدي الفرا