...

بعد مائة عام ..!!!


بكر مهدي الفرا

جمال عبد الناصر (رجل لن ينساه التاريخ)

التفاصيل

بعد مائة عام ..!!!

مئة عام مضت والتاريخ يمط شفتيه ويمد لسانه ساخراً من العرب عامة وزعمائهم خاصة على الإنجازات العظيمة التي أنجزوها خلال تلك الأعوام .. !! فمنذ الثاني من نوفمبر 1917م عندما وعد بلفور وزير خارجية بريطانيا آنذاك هيرتزل زعيم الحركة الصهيونية بإقامة دولة يهودية على أرض فلسطين والعرب ينادون ويصرخون ويهللون ويطلبون مستنجدين بمن يعتقدون أنه سيوقف هذه المهزلة .

وقامت المظاهرات وانطلقت الثورات والصهيونية تعمل بصمت قاتل وتزج بآلاف المهاجرين من شتى بقاع المعمورة كي تحقق هذا الوعد بالوطن ..

كانت العصابات الصهيونية تجهز نفسها بالتدريب وجلب الأسلحة للإجهاز على كل ما هو عربي وكانت بريطانيا العظمى تحارب العرب عامة والفلسطينيين خاصة من أجل عدم حصولهم على السلاح أي نوع من السلاح .. وكانت العقوبة لمن يقتني سلاحاً الإعدام ... ومن يحمل السلاح يتهم بمقاومة الاحتلال البريطاني  .

مضت السنوات متلاحقة والفلسطينيون يحاولون الحصول على السلاح بأي ثمن حتى كان الفلسطيني يبيع مصاغ زوجته أو حتى دابته التي كان لا يستغني عنها في فلاحة أرضه حتى يحصل على بندقية من مخلفات الحرب العالمية الأولى وبعض الطلقات .

استمر هذا الحال ... وسقط الشهداء تلو الشهداء والعرب الزعماء يتفرجون على ما يحصل وكأن الأمر لا يعنيهم في شيء ..!! ولم يكن إلاّ النذر اليسير ممن تحرك دم الشهامة العربي في عروقه من الشباب العرب يستطيعون الوصول إلى إخوتهم أبناء فلسطين ويقدموا لهم ما يستطيعون .

ولم تكن على الساحة من الدول سوى مصر آنذاك فسورية الكبرى التي قسمتها اتفاقية سايكس بيكو إلى أربع أقسام والعراق معهم شرق الأردن وسوريا ولبنان وفلسطين والعراق كلها لم تكن أي واحدة منهم ترقى إلى كيان دولة حقيقية فالأردن وسوريا والعراق سلمت لأبناء الحسين بن علي مقابل مساعدته لبريطانيا ضد الدولة العثمانية ولبنان سلمت للمارونيين أما فلسطين فكانت شبة مسلَّمة للهجرة اليهودية تعبث بها الحركات الصهيونية كيف تشاء حتى أقامت بريطانيا ما سمي زوراً وبهتاناً بجامعة الدول العربية وما هي إلا مفرقة الدول العربية بجدارة حتى يومنا الحاضر .

ما هي إلاّ سنوات قليلة حتى عرض قرار التقسيم عام 1947 ورفض ذلك من العالم العربي .. وعين يوم الخامس عشر من مايو 1984 موعداً لإنهاء الانتداب البريطاني على فلسطين بينما الحقيقة كانت تقول بأنه بداية قيام دولة اسرائيل وتحركت سبع دول عربية لدحر العصابات الصهيونية عن فلسطين التي أصبحت دولة اسرائيل واعترف بها الدول العظمى آنذاك ثم توالى الاعتراف بها وهزمت الجيوش العربية السبعة لأسباب يعرفها القاصي والداني وهكذا اكتمل الدور العربي في ضياع فلسطين وتحقيق الوعد البريطاني في إقامة وطن قومي لليهود على أرض فلسطين .. ولم تستطع كل الدول العربية عمل شيء لفلسطين حتى اليوم ..!!

وتوالت الزعامات العربية والفلسطينية وكلما حك الكوز الجرة كان الكل يكرر اقترب موعد التحرير مع الانقلابات ومع الحروب الداخلية ومع الاختلافات العقائدية كان هناك الهتاف بالتحرير ولك يتغير الحال إلاّ إلى الأسوأ واسرائيل تنمي نفسها وتفتح أبوابها للمهاجرين اليهود من شتى بقاع الأرض ولعب الزعماء العرب من المحيط إلى الخليج الدور الأكبر في بناء اسرائيل عندما هجَّروا اليهود من أراضيهم إلى اسرائيل وانشغل العرب بإيقاد نار الفرقة والتناحر بينهم واستخدموا الشعارات والايدولوجيات المستوردة من رأسمالية ورجعية وبرجوازية واشتراكية وتقدمية و.... وما شابه ذلك من مسميات ما أنزل الله بها من سلطان .

لقد كانت أصدق عبارة قالها مسؤول عربي وهو عبد الرحمن عزام أول رئيس للجامعة العربية قال : "لو لم تكن اسرائيل لأوجد العرب اسرائيل ..!!"

كل هذا وأكثر كان من أجل تحرير فلسطين بينما كان الشعب الفلسطيني يعامل في الدول العربية من الفئة الرابعة إن لم يكن أكثر لا سيما في الدول المحيطة باسرائيل فمصر وسوريا ولبنان يهبون للفلسطينيين وثائق سفر فلسطينية ينظر لحاملها نظرة اليتيم على مائدة اللئيم ويحرم من حرية التنقل والعمل حتى لو وجد عملاً فإن أجرته أدنى من أجرة المماليك في عهد محمد علي الكبير حاكم مصر .

وتوالت الحروب 1956 , 1967 , 1973 , والهزائم تتوالى واسرائيل تتوسع ونحن نستورد كل ما نحتاجه حتى رغيف الخبز وانفقنا على السلاح والتسلح المليارات بل البلايين وأصبحنا –في العالم العربي عامة- سوقاً للسلاح من شتى أنحاء المعمورة ولم يكن هذا السلاح كما يدعي ويزعم زعماء العرب ولكنه لتكميم الأفواه وجلب المصائب على الشعوب ...

فكنا نسمع عن حرب قامت هنا وانقلاب قام هناك ومذابح هنا ومجازر هناك وحروب أهلية ونحن نتفرج ونقول : ..

"بين الحانا والمانا ضاعت لحانا " فكم من الملايين أنفقت هراً .. وعلى السلاح ؟؟!! فالسلاح علم والعلم يتقدم يوماً إثر يوم والسلاح يصنع منه كل يوم شيء جديد وأسلحة العالم العربي يعتريها الصدأ ولا تصلح إلا للاستعراضات ومَنْ مِنْ الدول العربية التي فكرت يوماً في صناعة طائرة أو مدمرة أو غواصة ؟؟ ومَنْ مِنْ الدول العربية التي فكرت في يوم من الأيام أن تصدر من إنتاج خيرات بلادها ..؟؟ ومَنْ مِنْ الدول العربية التي فكرت في يوم من الأيام أن تصدر من إنتاج خيرات بلادها .. ومَنْ مِنْ الدول العربية التي نافست في يوم من الأيام لتحصيل المراكز الأولى ف العلوم والاختراعات ومَنْ مِنْ الدول العربية التي فكرت في يوم من الأيام أن تشترى متراً من الأرض الفلسطينية التي اغتصبتها إسرائيل بينما إسرائيل تشترى وتزوّر كل يوم من الأراضي الفلسطينية وتضّيق على أصحابها ليتركوها ويهاجروا منها إلى بلاد الشرق والغرب هرباً من الفقر والجوع والحرمان والخوف ...

إسرائيل التي يتبرع لها كل اليهود في شتى أنحاء العالم بالمليارات من الدولارات سنوياً لإقامة أكبر إمبراطورية علمية وعسكرية في العالم وليس في الشرق الأوسط .. إسرائيل التي أصبحت تصدِّر إلى جميع العالم حتى أمريكا السلاح ..!!! إسرائيل التي أصبح زعماء العالم العربي ... نعم زعماء العالم العربي وهم يعرفون أنفسهم كما يعرفهم صغيرنا قبل كبيرنا أصبح زعماء العرب يركضون لكسب رضاهم ويتسابقون للتطبيع معهم فرادى وجماعات بينما لن يقدم  أحد من هؤلاء الزعماء أي بارقة أمل للحياة لشعب فلسطين الذي أضاعوه كما أضاعوا وطنه وكرامته ...

ربما أكون مخطئاً فليقل لي من الفلسطينيين الذين هاجروا أراضيهم لماذا هجروا أرضهم ومن الذين ذهبوا للبحث عن عمل لماذا حرم من العودة إلى أهله ومسقط رأسه .. ومن الذين جاهدوا بكل ما أوتوا من قوة على البقاء في أ رضهم هل بقيتم بمحض إرادتكم أم .... أجيبوني بربكم بصدق ..

عندما تنسّم شعبنا رائحة الحركة للاستعداد للتحرير في أواخر الستينات وكان قاب قوسين أو أدنى من معركة التحرير انقسم الأبطال .. الأشاوس إلى أربعة وأربعين فصيلاً في الأردن نعم والله كانوا أربعة وأربعين فصيلاً وكان لكل منهم قائدا وزعيماً وبعد أوسلو .. ماذا ؟... وماذا ؟.. وماذا ؟ أسفر كل ما حصل عن انقسام دام تسع سنوات بين فصيلين اثنين فقط فكيف لو كان بين أكثر وكل المحاولات لتصحيح الأوضاع ورأب الصدع باءت بالفشل .. ورغم أنني لم أكن متشائماً في أي يوم من أيام حياتي إلاّ أنني أبشر الجميع بأن صدع الانقسام لن يربأ ... ولن تعود المياه إلى مجاريها على الإطلاق فكل إنسان في قلبه عظم بتحسسه واللي على راسه بطحة بشعر بها وهذا حالنا .. لا يحق لنا  أن نشكو من الزعماء العرب ونحن فينا ما فينا وقديماً قال العارفون لا يحك جلدك مثل ظفرك .. لكن للأسف الشديد أصبح هذا الظفر خنجر مغروزاً في صدورنا وظهورنا فهل نجد من ينزعه دون أن يدخل الهواء إلى الجرح فيقتلنا ..

مئة عام مضت ... فهل ننتظر مئات الأعوام الأخرى !!!

أتضل يافا لليهود ونحن     في ألم نحيل إلى موطننا النظر .

إن لم يكن عملكم من أجل الله ورسوله فليكن من أجل الأيتام والأرامل والثكالى .. " واتقوا الله ما استطعتم "

أم نردد ما قاله الشافعي قبل مئات الأعوام :

نعيب زماننا والعيب فينا          وما لزماننا عيب سوانا .

ولا يأكل الذئب لحم ذئب      ويأكل بعضنا بعضاً عياناً

رحمك الله يا شافعي رحمة واسعة .